الرئيسية / أخبار النادي / عدنان البرش صاحب صورة “استراحة الطبيب”

عدنان البرش صاحب صورة “استراحة الطبيب”

طبيب مستشفى الخدمة العامة
كواليس المستشفيات وقصة صورة “استراحة طبيب”
مواقف تستحق التأمل ..
عدنان البرش صاحب صورة “استراحة الطبيب”
في “كواليس” المستشفيات.. مواقفٌ لا توثقها الكاميرات ولحظاتٌ تقطع الأنفاس
– لو جالت عدسات الكاميرات بالمستشفيات ستجد كل الأطباء “عدنان”
– حينما انتشرت الصورة تأملت فيها من جديد .. فأشفقت على نفسي
– الصورة تعود لـ 14 مايو .. ويومها أجريت 28 عملية جراحية
– أتمنى الخروج مع عائلتي يوم الجمعة منذ انطلاق مسيرات .. وواجبي يمنعني
– الأحداث صنعت أطباء نفتخر بهم وصدرنا أوراقا بحثية للعالم
– ذهب لإحدى المستشفيات مع الإسعاف فتفاجأ بابن عمه بثلاجات الموتى
– وهو بالعمليات اتصلت زوجته وطائرات الاستطلاع تقصف بيت جيرانه؛ فماذا فعل؟!
كتبها/ يحيى اليعقوبي:
دماء تكسو الرداء الطبي الخاص بالعمليات الجراحية، طبيب يأخذ استراحة “مقاتل” وغفوة نوم قصيرة في غرفة العمليات جالسا على كرسي يستند على الحائط، بعد خوضه معركة من نوع مختلف أجرى خلالها عشرات العمليات، يتم فيها انقاذ الأرواح قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة، كان مشهد لصورة كانت للطبيب الغزي عدنان البرش حظيت بانتشار وتفاعل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن ما أخفته الصورة هي حياة طبيب نذر نفسه لخدمة أبناء شعبه، عاش محطات ومواقف كان فيها بين تناقضات الحياة في غزة، بكى وتألم لكنه واصل العلاج فـ “الواجب الوطني” يحتم عليه تقديم” الوقت والجهد لإنقاذ أرواح الناس”.
صحيفة “فلسطين” حاورت صاحب الصورة المنتشرة، ودخلت إلى تفاصيل حياته العملية والاجتماعية، توقفت عند محطات مختلفة لا يعرفها الناس عن حياة الأطباء، وعند مواقف لا توثقها عدسات الكاميرات، فعند غرف العمليات لا يسمح بدخول أحد غير الاطباء.
صاحب الصورة هو الطبيب عدنان أحمد البرش (44 عاما)، من مواليد مدينة جباليا شمال قطاع غزة، استشاري ورئيس قسم العظام بمجمع الشفاء الطبي، حاصل على دكتواره في جراحة العظام والمفاصل، والبورد الأردني والبورد الفلسطيني في جراحة العظام والمفاصل، والزمالة البريطانية في جراحة الكسور المعقدة في لندن، وماجستير علوم سياسية من جامعة الأزهر، متزوج ولديه خمسة من الأبناء.
قصة الصورة
لم تكن قصة تلك الصورة جديدة كما روج لها على مواقع التواصل، بل تعود إلى أحدث يوم 14 مايو/ أيار الماضي بعدما قررت الهيئة الوطنية لمسيرات العودة تنظيم “مليونية” في مخيمات العودة الخمسة على السياج الفاصل مع الاحتلال شرق قطاع غزة، أعلنت وزارة الصحة حالة “الطوارئ القصوى”.
“بدأنا باستقبال الحالات الساعة التاسعة صباحا، زادت مع مرور الوقت في ذلك اليوم الذي استشهد فيه العشرات، وزعنا وقتنا، وكنا نتنقل بين الغرفة والأخرى بعد انتهاء كل حالة وكنت في غرف العمليات (..) لم يكن هناك فرصة لشرب كأس من القهوة، ولا حتى تناول طعام الغداء، لأن همنا أبناء شعبنا، فكانت الجروح خطيرة، لم نر مثلها من قبل خلال الحروب السابقة”، قالها بنظرة شاردة متأملة لذلك اليوم.
الصورة التي تداولها الناس للطبيب البرش حدثت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، يتوقف للحديث عن ما خلفها من كواليس: “كنا في نهاية الحالات المصابة المحتاجة لعمليات؛ طلبت من زميلي اكمال إجراء عملية إحدى الحالات، جلست على الكرسي بجانب طاولة العمليات؛ أخذتني غفوة نوم، وكانت الدماء تملأ الملابس الطبية، التقط أحد الأطباء صورة لي، وعندما أيقظوني استغربت كيف أنني نمت، وعاتبتهم أنهم تركوني نائما لعدة دقائق”.
طلب أحدهم حينها نشرها، لكن البرش رفض لـ “شكلها المؤلم”، واحتفظ بها في هاتفه، في صباح اليوم التالي تحدث معه صديق له وهو طبيب أطفال ومصور ومحكم دولي بالتصوير يعيش بالكويت يدعى أحمد ثابت ومختص بالتصوير المعماري، بعدما سأله عن الوضع في غزة، أرسل البرش صورته بالدماء، لكن ثابت نشر الصورة في ذكرى يوم الأرض في 30 مارس/ أذار الماضي، حيث شهدت تنظيم “مليونية” جديدة لمسيرات العودة، كونه أراد الانتقال لتصوير حياة الأطباء حتى يتعرف الناس عليهم، وحظيت بانتشار واسع على مواقع التواصل الاجتماعي.
يعترف بابتسامة تخفي ألما عاشه يومها: ” حينما انتشرت الصورة تأملت فيها من جديد؛ فشفقت على نفسي”، تلك الدماء التي طبعت على ردائه الطبي جاءت بعد استقبال قسمه 85 حالة مصابة، 28 منها أجرى لها علميات بنفسه.
“كلها كانت خطرة، لأننا نتعامل مع أطراف علوية وسفلية، معظم تلك الإصابات تخطت تصنيفات طب العظام لحالات البتر، ولو كانت بمستشفيات أوروبية لتعرضت 80% للبتر، لكننا ورغم وجود أكثر من خمسة آلاف إصابة، لم تتجاوز 150 حالة بتر، وهناك مصابين نصبر على علاجهم لعام وثلاثة ولا نقوم بالبتر إلا اذا كان الطرف لا يمكن انقاذه”، يقول عن طبيعة الإصابات.
يتعمد الاحتلال الإسرائيلي، كما يقول البرش، خلق جيل من المعاقين لكن الأطباء “أدركوا الخطورة”، بأن الرصاص المتفجر الذي يطلقه على المصابين يسبب تهتكا شديدا في العظام والشرايين وقطع في الأوردة، يضع يده على قميصه الطبي بعدما رد على اتصالات متكررة على هاتفه الذي لم يتوقف: “اليوم سنحت فرصة أن تلتقط الكاميرا صورة لي، ولو جالت على كل الأقسام بالمستشفيات ستجد أن كل الاطباء عدنان البرش، أو من يبذل جهدا أكبر مني بعضهم تقطع رواتبهم والبعض الآخر يتقاضى 40%”.
في زحمة الانشغالات ماذا يتمنى هذا الطبيب؟ يرد على سؤالنا بعدما خرجت تنهيدة عميقة من داخله ممزوجة بنفس عميق بلهجة عامية: “نفسي أطلع أطش مع أولادي يوم الجمعة منذ انطلاق مسيرات العودة”، لكنه “واجب الجهد والوقت” يحتم عليهم الابقاء في حالة استعداد دائمة.

ماذا حدل للطفل “المقوسي”؟
ربما محت الأيام بعض تفاصيل ذلك اليوم، لكن ثم موقف بقي عالقا في ذاكرة الطبيب البرش، في خضم الإصابات، جاء طفل مصاب من عائلة “المقوسي” لا يتجاوز عمره عن 10 سنوات، وكانت إصابته خطرة بعظم “الفخد”، نتج عنها تهتكا للعظام لا يقل عن 10 سم، والتهابات في عظام القدمين كون الرصاص المستخدم ملوثا.
“ظلت حالته تتفاقم ويتراجع صحيا، وفشلت كل محاولات إخراجه للعلاج في الخارج، نتيجة رفض الاحتلال السماح بسفره (..) فتعاملنا معه وتماثل للشفاء والآن يستكمل العلاج بمصر”.
هذه حياة طيب، نذر نفسه لخدمة أبناء شعبه، قد يقصر في تأدية مناسباته الاجتماعية، يقول وبدى عليه الارتياح “ما يعينني هو تفهم أهلي وزوجتي، فأجد الراحة النفسية في عملي، وأحاول سرقة الوقت لتعويضهم عن غيابي”.
حتى سرقة الوقت قد لا تنفع في حياة الطبيب؛ اصطحب البرش زوجته وأبناءه، لأحد المطاعم لتناول طعام العشاء، وما أن جاء العامل بالطعام ليضعه على طاولة الأسرة وتعيش ليلة مسائية هادئة، أفسد اتصال من المشفى هذا الهدوء، والسبب “حالة عاجلة”.
يبتسم ضاحكا: “كنت خجولا حينها أمام أسرتي”، لكن زوجته بعدما شاهدت الموقف قالت للعامل قبل أن يضعه على الطاولة: “لو سمحت حطه ديلفري”، عادت العائلة للبيت، وذهب الطبيب مسرعا للمشفى، يزيد: “الطبيب جندي في حالة استعداد في ميدان قاس”.
عاش البرش تجربة ثلاثة حروب شنها الاحتلال على غزة، لا يحب أن يتذكرها لا يخفي السبب: “كنا نرى الحروب على حقيقتها؛ لأن الناس كانت تلجأ للأماكن الآمنة، ونحن كنا نتواجد بالأماكن التي يأتيها المصابون،”، من عدوان الاحتلال في عام 2014م، يحتفظ ببعض المشاهد التي لا تزال يتخيلها وكأنه يعيش تفاصيلها من جديد.
سبع شهداء وبكاء طبيب
لا ينسى أحد كبار الأطباء حينما توارى عن الأنظار خلف درج المشفى يبكي بحرقة بعدما استقبل سبعة أطفال شهداء قصفتهم طائرة إسرائيلية في تلك الحرب، ” الطبيب له مشاعر وأحاسيس كما يشعر الناس وقد يكون الشعور أعظما لما يعرفه من خبايا أمور الإصابات” يعلق.
في أحد أيام العدوان ذاته، الأحداث متسارعة، القصف في كل مكان، المشفى مكتظ بالمصابين والشهداء، الطبيب البرش يجري عملية جراحية عاجلة، في غمرة كل هذا اتصلت به زوجته – الذي كان مع التمريض – ، بنبرة خائفة أخبرته أن طائرات الاستطلاع الإسرائيلية أطلقت صاروخ استطلاع على منزل جيرانهم.
يسحب بنا لما عاشه من تفاصيل في تلك اللحظة: “كان الوضع صعبا، كوني أعالج حياة مصاب حالته خطرة، وعائلتي بانتظار سقوط صاروخ من الطائرات الحربية قد يودي بحياتهم، كنت على مدار 40 دقيقة أجري العملية الجراحية وأوجه زوجتي بفتح النوافذ، ووضع الأطفال بمكان أمن، واشغالهم عن القصف”.
“بدنا نبعتلك اسعاف يجيبك على المشفى ولكن حياخدك على مستشفى كمال عدوان بالطريق” كان الاتصال موجها للبرش خلال العدوان، وبعدما ذهب مع الاسعاف لذلك المشفى، أخبره أحد الاطباء أنه يوجد شهيد من عائلة “البرش”، ذهبت لثلاجات الموتى فوجده ابن عمه “مؤمن”.
يختم حديثه: “الأحداث صنعت أطباء وطاقما نفتخر به، صدرنا خبرتنا لمعظم الدول، وكتبنا أوراقا علمية نشرت لأول مرة على مستوى العالم، منها بحث علمي حول أداء قسم العظام إبان حرب 2014م، ونشر بمؤتمرات علمية دولية”.

شاهد أيضاً

عطايا جربوع يقترب من أحد الأندية الكبيرة

يقترب متوسط ميدان شباب جباليا السابق، عطايا جربوع، من أحد الأندية الكبيرة في دوري الدرجة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *